عبد الشافى محمد عبد اللطيف

307

السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي

من اتبع الهدى « 1 » . هاتان الرسالتان المتبادلتان بين الخليفة المأمون والإمبراطور تيوفيلوس من الوثائق المهمة في تاريخ العلاقات الإسلامية البيزنطية « 2 » ؛ لأنهما تضمنتا كثيرا من العبارات التي تحض على المسالمة وتجنب الحروب ، وتمهيد السبل لاتصال التجارة والمرافق ، وفك الأسرى . . . إلخ . وهذه العبارات لم تأت في الرسالتين جزافا ، بل إن كلّا من العاهلين الكبيرين كان يعني ما يقول ، مما يدل على الرغبة القوية في السلام - رغم ما في الرسالتين من نغمات التهديد - بل أكثر من ذلك فإننا لو تأملنا قول الإمبراطور للخليفة : « ونكون كل واحد لكل واحد وليّا وحزبا » لأدركنا أنه يهدف إلى أكثر من المسألة والتعاون ، فهو يقترح التحالف والصداقة بين الدولتين ، ولذلك ليس صائبا قول الأستاذ فازيليف « إن دعوة المأمون تيوفيلوس إلى الدخول في الإسلام لم تكن حرية أن تؤدي إلى سلام بين الملكين » « 3 » ؛ لأن دعوة الخليفة المسلم للإمبراطور البيزنطي إلى الدخول في الإسلام لم تكن دعوة جبرية ، وإنما تلك الدعوة إلى الإسلام أصبحت من التقاليد الإسلامية الراسخة ، منذ أرسل الرسول صلّى اللّه عليه وسلم رسائله في العام السابع الهجري إلى ملوك ورؤساء وأمراء العالم يدعوهم فيها إلى الدخول في الإسلام ، لذلك درج الخلفاء على هذه السنة النبوية في دعوة نظرائهم من الملوك للدخول في الإسلام بالحكمة والموعظة الحسنة ، ولذلك كانت عبارة المأمون إلى الإمبراطور هي : « غير أني رأيت أن أتقدم إليك بالموعظة التي يثبت اللّه بها عليك الحجة من الدعاء لك ولمن معك إلى الوحدانية والشريعة الحنيفية » فدعوة سلمية كهذه لم يكن لها أن تمنع قيام السلام بين دولتين راغبتين في السلام والتعايش السلمي وقد سبق أن ذكرنا أن الخليفة الأموي ، عمر بن عبد العزيز أرسل رسالة مماثلة إلى معاصره ، الإمبراطور البيزنطي ليون الثالث الإيسوري ، يدعوه إلى الدخول في الإسلام ، ولم يغضب الإمبراطور من تلك الرسالة - ولم يسلم طبعا - واستمرت العلاقات سلمية بل ودية بينهما ، كما سبق وأن أشرنا .

--> ( 1 ) المصدر السابق ( 8 / 629 ، 630 ) . ( 2 ) تبادل الخليفة والإمبراطور رسائل كثيرة غير هاتين الرسالتين ، في مناسبات كثيرة . ( 3 ) فازيليف : العرب والروم ، الترجمة العربية ( ص 109 ) .